مقارنت الديمقراطية والنظام الاسلامي

إن نشوء الدولة يرتبط في الواقع بنشوء السلطة، التي تتشكل من حاكم ومحكوم، يرتبط كل منهما بالآخر وفق علاقة متبادلة، والتمايز السياسي بين طرفي هذه العلاقة يمثل جوهر السلطة السياسية، وتلك تمثل ظاهرة اجتماعية بالدرجة الأولى، بمعنى أنه لا يمكن تصور وجودها خارج نطاق المجتمع، لأنها لا يمكن أن تتحقق إلا عبر العلاقات الاجتماعية. والسلطة ظاهرة طبيعية، ذات جذور عميقة في المجتمعات الإنسانية. وقد ظهرت عدة نظريات حول مفهوم نشأة الدولة وعلاقة الحكام بالشعب، أهمها النظرية الثيوقراطية(نظرية الحق الإلهي للسلطة) وهي أقدم النظريات التي تفسر أساس السلطة، وتقيمها على أساس الهي حيث تقوم هذه النظرية على أن الله يختار من يشاء لممارسة السلطة، فالسلطة مصدرها الله، وما دام الحاكم يستمد سلطته من مصدر علوي، فهو يسمو على غيره من البشر، وبالتالي تسمو إرادته على إرادة المحكومين. وقد سادت هذه النظرية قديماً في كل من مصر والصين وفارس، حتى بعد ظهور المسيحية، ولكنها بدأت بالاندثار في العصور الوسطى بعد أن اشتد النزاع بين الكنيسة وملوك أوروبا، وظهور البروتستانتية سنة 1520م. وقد لعبت هذه الفكرة دوراً كبيراً في التاريخ، وقامت عليها السلطة في معظم الديانات القديمة والملكيات المطلقة الحديثة في أوروبا. وتجلت النظرية في أشكال مختلفة وتطورت عبر التاريخ فاتخذت ثلاث صور رئيسية:اولها كان الحاكم في الأصل يعتبر من طبيعة إلهية؛ فهو لم يكن مختار الآلهة لأنه هو نفسه إله. ثم جاءت نظرية الحق الإلهي غير المباشر أو العناية الإلهية؛ ومع ظهور المسيحية تطورت النظرية، ولم يعد الحاكم إلهاً أو من طبيعة إلهية، ولكنه اصبح يستمد سلطته من الله، فالسلطة للكنيسة البابوية. وقد استخدمت هذة النظرية بأشكال شتى منذ القرون الوسطى، وأثناء الصراع بين الكنيسة والإمبراطور، والكنيسة والملكيات الناشئة في أوروبا. ففسرت على أن الله يرتب الحوادث بشكل معين، بحيث تقوم أسرة بذاتها في وقت معين بأعباء الحكم، وعلى هذا النحو تؤيد النظرية سلطان الملوك ضد تدخل الكنيسة أو الشعب. وثالث النظريات نظرية الحق الإلهي المباشر؛ وهذه اتخذت شكلاً جديداً مؤداه أن الحاكم إنسان كبقية البشر، إلا أن الله يصطفيه ويودعه السلطة، وفي هذه المرحلة تسمى النظرية بنظرية الحق الإلهي المباشر، لأن الحاكم يستمد سلطته من الله مباشرة، دون وساطة إرادة أخرى في اختياره، ومن ثم فهو يحكم بمقتضى الحق الإلهي المباشر.وقد عاشت هذه النظرية عصرها الذهبي في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلادي، فكان شعار ملوكها (ملك فرنسا لا يستمد ملكه إلا من الله وسيفه)، وكان لويس الرابع عشر يردد أنه يستمد قوته من الله، وأنه غير مسؤول أمام أحد غير الله.

ومع ظهور الاسلام جاء النظام الإسلامي الذى  مصدره الله عز وجل، وهو مستمد من العقيدة الإسلامية التي جمعت العقائد السماوية على منهج جديد. ورسمت الشريعة الإسلامية تصورات وأصولاً فاصلة لاستشراف المستقبل. وفي ثنايا النظام السياسي الإسلامي نظام عالمي إنساني أخلاقي، دنيوي وأخروي، يلاحق الجاني نفسه بنفسه حيث يقصر سلطان الدولة، وهكذا يتشكل المجتمع العقائدي. والحكومة الإسلامية ليست ذات نظام مطلق فهي لا تشبه الأشكال الحكومية المتعارف عليها، كما أنها ليست حكومة دكتاتورية يستبد فيها رئيس الدولة برأيه، عابثاً بأموال الناس ومصائرهم، إنما هي حكومة دستورية، ولكن لا بالمعنى الدستوري المتعارف عليه والذي يتمثل في النظام البرلماني والرئاسي أو المجالس الشعبية، وإنما هي دستورية بمعنى أن القائمين على الأمر يتقيدون بمجموعة الشروط والقواعد المبينة في القرآن والسنة.

النظام الإسلامي  لم يعرف الحكم الملكي أو الأرستقراطي أو الديمقراطي بالوصف الذي ذهب إليه الفلاسفة الإغريق، ولم يعرف الأنظمة الملكية أو الجمهورية أو القيصرية التي صارت إليها البلاد الرومانية؛ هذا لأن الإسلام دين ودولة، دين ينادي بالتقوى وعبادة الله الواحد الذي لا شريك له.. يهدي الناس إلى الصراط المستقيم، أي ينادي بالفضيلة والأخلاق والمحبة والإخاء والأمانة، ودولة لأنه وضع أصول المعاملات بين أفراد المجتمع وحقوق كل فرد وواجباته وعلاقة الفرد بالحاكم، وعلاقة الحاكم بالرعايا. وقد أعطى الإسلام للديمقراطية أسمى معانيها الإنسانية والأخلاقية، وأرسى القواعد الأساسية لحقوق الإنسان وحرياته العامة، وأمر بالمساواة أمام القانون والقضاء، وفي الوظائف العامة، وفي أداء الضرائب وفي أداء الخدمة العسكرية، كما أمر بحرية التنقل والاتجار وحرية الرأي والفكر والعلم، والعقيدة وممارسة الشعائر الدينية وحق العمل وحق الملكية وحرمة السكن.

والنظام الاسلامي بني على مبادىء عليا مثل إقامة حكم الله في الأرض و تكوين دولة الإيمان المثال، وهذه تكفل تحقيق  العدل، والمساواة في مستوى المعيشة وأمام القانون، والشورى. وإنقاذ الجنس البشري كله حيث جاء في القرآن الكريم (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً). والرحمة، وهي بإكمال الغاية من الشريعة ومن الرسالةحيث قال الله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) .

 

 

 

2) النظرية الديمقراطية:

وتقوم على أساس أن الشعب هو مصدر السلطات، وقد تولدت عن هذه النظرية نظرية (العقد الاجتماعي) لكل من (توماس هوبز) و(جون لوك) و(جان جاك روسو)، فقد ذهب هوبز إلى أن الشعب أعطى السلطة المطلقة للحاكم، أما لوك فقد ذهب إلى أن السيادة للشعب، وعلى ذلك لا يتمتع الحاكم بالسلطات المطلقة، بل يلتزم باحترام القوانين، كما يجب الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية.

أما روسو الذي تأثر بدراسات هوبز ولوك فقد نادى بأن السيادة للشعب وليست للحاكم، فالشعب هو الذي يضع القوانين ويختار الحكومة التي تمثله، وإن الدين هو الحافز على أداء الواجب، كما نادى أيضاً بالفصل بين السلطات الثلاث، ورغم الانتقادات التي وجهت إلى هذه النظرية، إلا أنها ساعدت على انتشار المبادئ الديمقراطية وتقرير حقوق الأفراد وحرياتهم.

3) نظرية القوة:

وهذه تؤمن بأن السلطة أساسها القوة، والدولة تقوم على أساس حق الأقوى، كما يبين التاريخ السياسي للدول، ولكن السلطة التي تستند على القوة تعتبر سلطة غير مشروعة، لأنها فرضت على الشعب قسراً ولا تستطيع البقاء طويلاً.

4) نظرية تطور الأسرة:

تقوم هذه النظرية على كيفية تشكيل الإنسان البدائي لحياته في مجموعات؛ فمن الأسرة تكونت العشيرة، ثم القبيلة ثم المدينة ثم الدولة، وهذه النظرية تتفق إلى حد كبير مع ما ورد بالكتب السماوية عن آدم وحواء(ع)، ولكن هناك بعض الدول لم تتسلسل بتطور الأسرة كالولايات المتحدة الأمريكية.

كذلك تنتهي السلطة الأبوية بوفاة رب الأسرة، بينما تظل السلطة السياسية في الدولة حتى بعد زوال الأشخاص الذين يمارسونها.

) نظرية التطور التاريخي (الطبيعي):

وهذه تؤمن بأن الدولة نشأت نتيجة عوامل مختلفة أدت إلى ترابط مجموعة من الأفراد والاستقرار في إقليم معين، فقد تكون هذه العوامل اجتماعية أو اقتصادية، واستطاع البعض منهم السيطرة على الآخرين سواء بقوته البدنية أو بقدرته الفكرية.