تربيت وترعرعت على ارض هذا الوطن الغالي، وعلى مر السنين أكرمني وأكرموني حكامه واهله الطيبين ،فسكنت وأكلت وشربت وتزوجت وانجبت. درست وتعلمت وعملت ، فغدوت رجل أعمال ناجح يملك ويدير الشركات والمصانع. والآن جاء وقتي فهذة جمايل كثيرة وكبيرة يجب ان اردها ، ومهما عملت وفعلت فلن تكون قطرة في بحر جمايل وطني البحرين

متطلبات الديمقراطية

16-ديسمبر-2017

إذا كان للديمقراطية متطلباتها وأبعادها الثقافية والمؤسسية والاقتصادية والقانونية والسياسية، فإنه لا يقل أهمية عن ذلك، بل يأتي في مقدمته، وجود قوى سياسية واجتماعية تؤمن بالديمقراطية وتبشر بها وتعمل من أجل ترسيخ مقوماتها وقواعدها. بلغة أخرى، فإن وجود القوى السياسية والاجتماعية المؤمنة بالديمقراطية والمستعدة للكفاح من أجل إنجاز تطور ديمقراطي حقيقي، إنما يمثل حجر الزاوية في تحويل الديمقراطية إلى مطلب اجتماعي شعبي، فضلاً عن تنسيق الأنشطة والجهود والمبادرات التي من شأنها تعميق المكتسبات الديمقراطية، وذلك نظراً إلى أن عملية بناء نظام ومجتمع ديمقراطي هي عملية طويلة وشاقة، ولا تكون هناك ديمقراطية إلا بمزيد من ممارسة الديمقراطية وتوسيع قاعدة الديمقراطيين والاستعداد لتحمل تبعات ذلك. تأسيساً على ما سبق، فإن إحدى أهم إشكاليات التطور الديمقراطي،إنما تتمثل بعدم وجود قوى سياسية واجتماعية، ذات ثقل جماهيري واسع، تحمل المشروع الديمقراطي وتبشر به وتكافح من أجل إرساء أسس الديمقراطية وقواعدها، وعلى الرغم من الحضور المكثف لمفاهيم وشعارات الديمقراطية ودولة المؤسسات وسيادة القانون على مستوى الخطاب السياسي لجميع الجمعيات ،وكذلك على مستوى الخطاب الفكري والأكاديمي الذي يعبر عنه قطاع من الباحثين والمثقفين من خلال كتاباتهم الأكاديمية أو من خلال بعض الأنشطة الفكرية والثقافية التي ينخرطون فيها كالندوات والمحاضرات والمؤتمرات …إلخ، على الرغم من ذلك، فالمؤكد أن الديمقراطية لا تمثل قضية أساسية بالنسبة إلى أغلبية الشعب، أي أنها لا تمثل مطلباً اجتماعياً شعبياً، وإن كانت مطلباً نخبوياً. وهذه ليست نتيجة انطباعية مبنية على ملاحظة الواقع السياسي ومعايشته فحسب، ولكنها نتيجة علمية خلصت نتائجها إلى أن قضية الديمقراطية لا تأتي ضمن أولويات المواطن العادي، وأن اهتمامه ينصب بالأساس على قضايا اقتصادية واجتماعية حياتية مثل ارتفاع الأسعار والبطالة والإسكان والصحة والتعليم…إلخ. لذلك فإن القاعدة العريضة من المواطنين غير معنية في الوقت الراهن بالديمقراطية، كما أنها غير مهتمة بالمشاركة في التنظيمات والأنشطة السياسية المرتبطة بها. وهكذا، فإن الديمقراطية في المرحلة الراهنة هي بالأساس قضية النخبة المثقفة أو بالأحرى شرائح من هذه النخبة، أما بالنسبة إلى الأغلبية، فهي تقع خارج دائرة اهتماماتها أو في أفضل الأحوال على هامشها. وهذا ليس معناه أن تلك الأغلبية في حالة عداء مع الديمقراطية أو رفض أصيل لها، ولكن معناه ببساطة أن المواطن العادي أسير القضايا الحياتية والمعيشية اليومية، حيث تعد أكثر إلحاحاً بالنسبة إليه، وبالتالي تسقط قضية الديمقراطية من قائمة أولوياته واهتماماته. فهو يلهث من أجل تأمين لقمة العيش والمتطلبات الأساسية للحياة له ولأسرته، ولا يترك له هذا وقتاً للتفكير في شكل الديمقراطية إضافة إلى هذا، فالمؤكد أن ترسُّخ القيم الماضية في بنية الثقافة السياسية إنما يعد من العوامل المهمة التي تكرس ظاهرة عدم اهتمام العامة بقضية الديمقراطية، كما تجعلهم لا يدركون أن النظام الديمقراطي يمثل أفضل إطار سياسي يمكن في ضوئه تبني سياسات وإجراءات فعالة لمواجهة المشكلات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الدولة والمجتمع.
وإذا كانت الديمقراطية لا تمثل أولوية لدى القطاع الأكبر من المواطنين في الوقت الراهن، فإن هذه ليست حالة أبدية غير قابلة للتغيير، بل إن إمكانيات تحريك تلك الكتلة الكبيرة في إطار مشروع ديمقراطي قائمة وممكنة متى توافر بعض العوامل المساعدة على ذلك، وعلى رأسها وجود نخب وقوى وتيارات سياسية واجتماعية وفكرية تؤمن بالديمقراطية وتمارسها وتعمل على نشر قيمها في صفوف القطاعات الشعبية الأوسع، الأمر الذي يساهم في تأسيس قيم الديمقراطية في الوعي السياسي والاجتماعي من ناحية، ويخلق قاعدة ثقافية واجتماعية واسعة يستند إليها المشروع الديمقراطي الذي أراده لنا عظمة الملك من ناحية أخرى. من هنا تأتي أهمية تحليل رؤى ومواقف النخب والجمعيات والتيارات السياسية والفكرية والقوى الاقتصادية والاجتماعية المعارضة والموافقة من قضية الديمقراطية.
قبل تناول رؤى ومواقف هذه التيارات من قضية الديمقراطية فإنه من الأهمية بمكان التأكيد أنه على الرغم من وجود إعداد لا يستهان بها من الجمعيات السياسة الجديدة والقديمة، فالمؤكد أن أكثر من نصف عدد هذه الجمعيات السياسية يكاد يكون غير معروف للأغلبية العظمى من المواطنين، لأنها ببساطة هي جمعيات صغيرة جداً وهامشية، وقد ظهر معظمها إلى حيز الوجود بقرارات راعت بالأساس الجوانب الشكلية دون الشروط الموضوعية لقيام الجمعيات السياسية. لذلك فهي أقرب إلى الدكاكين منها إلى التنظيمات السياسية بالمعنى المتعارف عليه. وعلى الرغم من وجود متفاوتات في ما بين الجمعيات السياسية من حيث حجم عضويتها وحدود قدرتها على التأثير السياسي، فهي تتسم بصفة عامة بالشخصانية، أي أن رئيس الجمعية هو محور الجمعية وعامودها الفقري، بل في بعض الأحيان هو الجمعية نفسها. وبالتالي فهي جمعيات أشخاص أكثر منها جمعيات برامج. كما تتسم بضعف هياكلها التنظيمية وقواعدها الاجتماعية، أي هي لا تعبر عن قوى اجتماعية حقيقية داخل المجتمع. والدليل على ذلك أن أنشطتها غالباً ما تتركز في دوائر وشرائح اجتماعية وثقافية ضيقة وهو ما يعني محدودية قدرتها على الانتشار والتغلغل في عمق المجتمع جغرافياً واجتماعياً وتنظيمياً. كما أن هناك جمعياتً عديدة تتسم بالسلفية، حيث ترتبط بالماضي أكثر من ارتباطها بالحاضر والمستقبل. وهو ما ينعكس في غلبة طابع العلاقات الشللية والشخصية والعائلية عليها من ناحية، وفي عدم تبلور أطرها الفكرية والمؤسسية والأيديولوجية على نحو واضح من ناحية أخرى
إذ لا تكاد توجد اختلافات جوهرية بين البرامج العامة لعدد من الجمعيات. ناهيك عن ضعف قدراتها المالية والتنظيمية واعتمادها في تمويل جانب مهم من أنشطتها على الدعم المالي الذي تتلقاه من الدولة. ونظراً إلى جميع الاعتبارات السابقة، وغيرها، فإن الجمعيات السياسية، بوضعها الراهن، هي أضعف من أن تقوم بدور مهم ومؤثر في الحياة السياسية، وبخاصة سياساتها تحول دون تبلور مثل هذا البديل. ونظراً إلى رؤى ومواقف الجمعيات المعارضة من قضية الديمقراطية، يمكن القول بصفة عامة إن مواقفها ورؤاها في هذا الشأن لا تختلف كثيراً عن رؤية وموقف النخبة الموافقة، وإن اختلفت الأهداف والمسوغات والمبررات. فجمعيات المعارضة تطرح الديمقراطية كمطلب رئيسي لها، وتستخدم المفهوم بكثافة في خطاباتها وسجالاتها السياسية والإعلامية. وعلى الرغم من ذلك فإن هناك ظواهر واقعية عدة تؤكد أن طرح جمعيات المعارضة لقضية الديمقراطية على مستوى الخطاب السياسي والإعلامي يتناقض مع ممارساتها العملية في هذا الخصوص، وهو ما يؤكد أن هذه الجمعيات ترفع شعارات نظريتها الخاصة للديمقراطية لمجرد كونها في صفوف المعارضة، فالجمعيات المعارضة تفتقد – بدرجات متفاوتة – الديمقراطية الداخلية، أي هي جمعيات تُدار بأساليب غير ديمقراطية، وذلك بغض النظر عمّا تتضمنه بعض وثائقها من تأكيد التزام مبدأ الديمقراطية، وبغض النظر كذلك عن بعض الإجراءات الانتخابية التي قد تجري داخل هذا الجمعية أو غيرها، والتي غالباً ما تكون نتائجها محسومة سلفاً. وهنا يبدو التناقض واضحاً بين الخطاب السياسي العلني للجمعيات المعارضة من ناحية وبين ممارستها العملية من ناحية أخرى. ففي الوقت الذي تطالب الدولة بتطبيق الديمقراطية، فهي لا تطبق الديمقراطية داخلها. وغالباً ما تطغى الاعتبارات المتعلقة بالروابط العائلية والشخصية والشللية على إدارة الشؤون الداخلية للجمعيات. وهو ما يعني غياب أو ضعف الاعتبارات المتعلقة بالنهج الديمقراطي والتقاليد المؤسسية في هذا المجال.ونظراً إلى غياب الديمقراطية داخل الجمعيات المعارضة فهي تكثر داخلها الصراعات والانشقاقات التي تنشأ حول محاور سياسية وفكرية وجيلية.
وهكذا، فإن عملية التحول الديمقراطي لا تزال في مراحلها الأولى، بل هي يمكن أن تتعرض للانتكاس ما لم يتم توفير بعض المتطلبات والشروط التي من شأنها تدعيم تلك العملية. وهذا يرتبط من ناحية أولى بالقدرة على تقبل التجديد، وذلك من خلال تحقيق إصلاح سياسي ديمقراطي حقيقي بصورة سلمية ومتدرجة، ولا يمكن أن يتحقق مثل هذا الإصلاح السياسي الديمقراطي دون تدعيم القوى السياسية والاجتماعية المؤمنة بالديمقراطية والمستعدة لنشر قيمها والتبشير بها، فضلاً عن العمل من أجل تطبيق المشروع الديمقراطي. ومثل هذه القوى لن توجد بقرار ولكن يمكن أن تتبلور من خلال قيام الجمعيات السياسية المختلفة الموجودة على الساحة بمراجعات جادة لرؤاها ومواقفها من قضية الديمقراطية، فضلاً عن قيام النخب المثقفة في المجتمع المدني بدور أكبر في نشر قيم الديمقراطية على الصعيد الاجتماعي، بحيث تتحول الديمقراطية من قضية نخبة إلى قضية مجتمع. ويرتبط بما سبق أيضاً القدرة على بلورة سياسات اقتصادية واجتماعية فعالة تضع حداً للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية وتخلق إطاراً اقتصادياً واجتماعياً ملائماً لتفعيل عملية التطور الديمقراطي. ومن دون ذلك فإن البديل هو استمرار مصادر التوتر وعدم الاستقرار في المجتمع من ناحية، وتزايد حالة الاحتقان السياسي بين الدولة والقوى السياسية من ناحية أخرى، وهو ما يمكن أن يقود في نهاية المطاف إلى انتكاسة التجربة.

تحميل المقال